(Guest blog by Reem Labib of the Egyptian Initiative for Personal Rights. The original is here)

إدكو المدينة الساحلية الجميلة بمحافظة البحيرة التي تطل على البحر الأبيض المتوسط شرقي الأسكندرية، يقطنها مجتمع رزقه منذ القدم في الصيد بين الماء العذب في بحيرة إدكو وماء البحر. وإلى جانب الصيد الذي يمثل النشاط الاقتصادي الأول للسكان، يوجد النشاط الزراعي؛ قد عرفت إدكو بفواكهها المميزة، خصوصا الجوافة، ولا زال سكانها يتحاكون بفخر عن “العنب الإدكاوي” الذي يقولون عنه أنه “من أفخر أنواع العنب في العالم”.

SONY DSC

ريم لبيب في إدكو

ولا يغيب عن زائر المدينة التي يقطنها اليوم ربع مليون نسمة كيف يفخر السكان بمدينتهم، وماضيها ، ويؤكدون: “إدكو مدينة منتجة كانت سلة غلال البلد”. كما لا تغيب أيضاً في حديثهم المرارة والتحسر على إمكانيتها المهدرة؛ فالإهمال وضياع مصادر الرزق تلخصها عبارة أحدهم: “إدكو حالياً مدينة يتيمة ما حد مهتم بيها”.

بالفعل، تظهر إدكو كنقطة إلتقاء بائسة لجملة من سياسات قاصرة تضرب مختلف قطاعاتها الحيوية؛ بدءً من تعديات واسعة – لا تجد من يردعها – على البحيرة والاستيلاء على آلاف الأفدنة منها من قبل أعضاء بالحزب الوطني المنحل وأصحاب النفوذ وتحويلها لمزارع سمكية خاصة؛ مروراً بالاستخدام المفرط للمبيدات والأسمدة الكيماوية المدعوم من الدولة في القطاع الزراعي؛ وصولا إلى تلوث صناعي جاوز كل الحدود المعقولة في المصارف التي تصب في البحيرة والبحر المتوسط ولا يجد من يوقفه. يعايش مجتمع إدكو منذ عقود عملية إرهاق لوجوده مستمرة ولا تتوقف، بإهدار بيئته البحرية والمائية والزراعية، باختصار: إنهم يدمرون موارد رزقه واقتصاد المدينة.

تقف هذه العوامل التي أنتجها الفساد، والسياسات الفاشلة لتكمل رسم المعاناة مع آثار تغير المناخ التي باتت ملموسة في إدكو؛ فقدرة المدينة على التعامل مع نوات تزداد حدتها باتت شبه معدومة، فقد تبدلت الطوبوغرافيا الساحلية وتهدد حرم الشواطئ بعد أن كان هناك حاجز طبيعي يصد الموج المرتفع، بسبب التجريف غير المحكوم لكثبان إدكو الرملية من قبل كبار المقاولين، وقد اختفى أغلبها بالفعل كذلك تقلصت الثروة السمكية بفعل تغير مواقيت المواسم، والأنشطة الجائرة التي تمارس على البحيرة، ولم يعد بإمكان الصيادين إلا حصاد كميات ونوعيات أقل من السمك. أما التربة الزراعية فتعاني من زيادة نسبة الملوحة، حيث يقدر السكان تدمر نحو 95% من مزارع الجوافة

IMG_8019

واحدة من رسومات الجرافيتي العديدة بإدكو والرافضة لمشروع البرتيش بتروليوم، تم طلاؤها بالأسود من قبل الشركة (تصوير: مصرين)

.

هكذا أسفرت السياسات الحكومية الفاشلة، المدفوعة فقط بمصالح الرأسمال وتشهيه للربح، عن مأساة مركبة في هذه المدينة، وبان البعد القسري المدمر لها في إدارة مواردها وقرارات غاب عنها أدنى تشاور معتبر وفعال مع السكان من صيادي البحر والبحيرة، والمزارعين، والشباب ومنظمات المجتمع المحلي وهم أصحاب المصلحة الفعليين.

وكما هو الحال في أغلب القضايا التي تخص السياسات التنموية الفاشلة لحكومتنا، نجد مطالب مجتمع إدكو واضحة، وطرحه لحلول ما خلفته السياسات من مشاكل طرح بسيط في تكامله، سواء في صياغته أو منطقه.

بدراية عميقة، حدثنا السكان عن ضرورة تعديل السياسة الزراعية وتقليل استخدام المبيدات والأسمدة الكيماوية، وعن حاجة مدينتهم لمنظومة للضوابط البيئية والقانونية تضبط نشاط المزارع السمكية. كما اقترحوا تحويل مسار عدد من المصارف عن البحيرة، مع تنظيم فعال على مستوى الجمهورية لعملية صرف المخلفات الصناعية والزراعية.

جأروا بشكواهم، وكالعادة مع حكومات تعاقبت على هذا البلد، ولم ترى سوى مصالح ضيقة، فذهب صوتهم سدى ولسان حالهم يقول بحسرة عند أبواب المسئولين: “قد أسمعت إن ناديت حيا، ولا حياة لمن تنادي”؛ فلا يزال المسؤولون على تحيزهم الواضح لمصالح الأغنياء وذوي النفوذ على حساب المجتمع.

رغم هذا الصمم الحكومي، يظل أهل إدكو صامدون في كفاحهم المستمر من أجل وقف التدهور البيئي في مجتمعهم، وكان وقوفهم الرائع في وجه “مشروع الغاز الطبيعي المسال” مثالاً لذلك.

فمحطة تسييل الغاز الطبيعي العملاقة الواقعة على شاطئها تقوم بإدارتها شركتي راشبتكو وبرلس، والتي يشارك فيهما شركات البرتيش جاس البريطانية، بتروناس الماليزية، جاز دو فرانس الفرنسية، بالإضافة للشركات الحكومية المصرية إيجاس والهيئة العامة للبترول. وقامت هذه الشركات بإقامة حواجز ومصدات أمواج تعوق وصول صيادي البحر لمناطق تجمع أسماك، كما قامت بتصريف مخلفاتها السائلة على البحر بمخالفة للقانون أدت لطفو أعداد كبيرة من أم الخلول الميتة على شواطئ إدكو. وقاضت إدكو شركة راشبتكو أمام المحاكم، التي حكمت عام 2006 استناداً لتقرير معد من جهاز شئون البيئة بمخالفة الشركة للقانون بتصريف مخلفات صناعية وصرف صحي على البيئة البحرية. كما يتهم السكان الشركة بالتخلص غير القانوني لمخلفاتها في مزارعهم ومصارفهم.

كل هذا بدون أي عائد حقيقي على مجتمع إدكو. فبالإضافة لمطالبتهم بتحديد مسؤولية الشركات ومحاسبتها على التلوث، فإن المجتمع يطالبها منذ مدة طويلة بتعويضات مشروعة، مشاركة حقيقية في تنمية المجتمع تتعدى الدهان التجميلي لهذه أو تلك المدرسة أو توزيع حفنة من “الشنط والكراتين الرمضانية” سنوياً. وتشمل تلك المطالب فرص تعيين حقيقية وعادلة لشباب إدكو المتعلم، ومرسى بحري صغير لمراكب الصيد، والمشاركة في صيانة البحيرة.

“التنمية المجتمعية بالنسبة لشركات البترول، والتي توقفت منذ الثورة على كل حال، معناها عمل خيري. نجن لا نطلب إعانة، إنما نطالب بحقوقنا المشروعة” – ناشط من إدكو

وحتى يومنا هذا، لم ترى أي من مطالب الأهالي النور، ولا زالوا يلاحقون الملوثين؛ ولذلك، عندما سعت بريتيش بتروليوم لإقامة محطة معاملة غاز طبيعي على شاطئ إدكو، نهض لها المجتمع مدافعا عن بيئته وقام سكان إدكو بالتنظيم والحشد لمعارضة ووقف المشروع: فتم قطع الطرق بالمظاهرات الاحتجاجية، وقام المحتجون بالاعتصام بموقع الإنشاء المُعتَزَم، واحتل آخرون مكتب الشركة لمنع الموظفين من الدخول، ونُظمت العديد من المسيرات الشعبية الرافضة للمشروع. وكان من ثمرة ذلك أن سمع صوت الناس، ونجح بالفعل التنظيم المجتمعي والمقاومة الشعبية في إيقاف المشروع.

“لا يجوز لأي مشروع صناعي التعدي على الموارد الطبيعية” – أحد سكان إدكو

لم تتخل بريتيش بتروليوم بعد عن مشروعها في هذه المنطقة، ولم يتخل السكان عن نضالهم، والمعركة لم تزل مستمرة؛ حاولت الشركة المراوغة، وبدلاً من احترام الرفض الشعبي للمشروع، قامت الشركة بنقله لموقع جديد يبعد بضعة كيلومترات شرقاً على نفس الساحل. لتنتقل المشكلة، ونجد أهالي مطوبس بمحافظة كفر الشيخ يكملون مشوار أقرانهم في إدكو، ويشرعون في نقل تجربة الكفاح ضد خطط بريتيش بتروليوم لإقامة المشروع على شاطئهم.إدكو المدينة الساحلية الجميلة بمحافظة البحيرة التي تطل على البحر الأبيض المتوسط شرقي الأسكندرية، يقطنها مجتمع رزقه منذ القدم في الصيد بين الماء العذب في بحيرة إدكو وماء البحر. وإلى جانب الصيد الذي يمثل النشاط الاقتصادي الأول للسكان، يوجد النشاط الزراعي؛ قد عرفت إدكو بفواكهها المميزة، خصوصا الجوافة، ولا زال سكانها يتحاكون بفخر عن “العنب الإدكاوي” الذي يقولون عنه أنه “من أفخر أنواع العنب في العالم”.

ولا يغيب عن زائر المدينة التي يقطنها اليوم ربع مليون نسمة كيف يفخر السكان بمدينتهم، وماضيها ، ويؤكدون: “إدكو مدينة منتجة كانت سلة غلال البلد”. كما لا تغيب أيضاً في حديثهم المرارة والتحسر على إمكانيتها المهدرة؛ فالإهمال وضياع مصادر الرزق تلخصها عبارة أحدهم: “إدكو حالياً مدينة يتيمة ما حد مهتم بيها”.

بالفعل، تظهر إدكو كنقطة إلتقاء بائسة لجملة من سياسات قاصرة تضرب مختلف قطاعاتها الحيوية؛ بدءً من تعديات واسعة – لا تجد من يردعها – على البحيرة والاستيلاء على آلاف الأفدنة منها من قبل أعضاء بالحزب الوطني المنحل وأصحاب النفوذ وتحويلها لمزارع سمكية خاصة؛ مروراً بالاستخدام المفرط للمبيدات والأسمدة الكيماوية المدعوم من الدولة في القطاع الزراعي؛ وصولا إلى تلوث صناعي جاوز كل الحدود المعقولة في المصارف التي تصب في البحيرة والبحر المتوسط ولا يجد من يوقفه. يعايش مجتمع إدكو منذ عقود عملية إرهاق لوجوده مستمرة ولا تتوقف، بإهدار بيئته البحرية والمائية والزراعية، باختصار: إنهم يدمرون موارد رزقه واقتصاد المدينة

fisherman

يتحمل صيادي بحر إدكو مغبات تدهور بيئتهم البحرية الناتج عن سياسات غير مستدامة ومخالفات شركات البترول (تصوير: مصرين)

.

تقف هذه العوامل التي أنتجها الفساد، والسياسات الفاشلة لتكمل رسم المعاناة مع آثار تغير المناخ التي باتت ملموسة في إدكو؛ فقدرة المدينة على التعامل مع نوات تزداد حدتها باتت شبه معدومة، فقد تبدلت الطوبوغرافيا الساحلية وتهدد حرم الشواطئ بعد أن كان هناك حاجز طبيعي يصد الموج المرتفع، بسبب التجريف غير المحكوم لكثبان إدكو الرملية من قبل كبار المقاولين، وقد اختفى أغلبها بالفعل كذلك تقلصت الثروة السمكية بفعل تغير مواقيت المواسم، والأنشطة الجائرة التي تمارس على البحيرة، ولم يعد بإمكان الصيادين إلا حصاد كميات ونوعيات أقل من السمك. أما التربة الزراعية فتعاني من زيادة نسبة الملوحة، حيث يقدر السكان تدمر نحو 95% من مزارع الجوافة.

أحمد السد، صياد بحيرة ونقابي، يستعرض خريطة دقيقة رسمها بنفسه للبحيرة والحلول المطروحة لوقف تدهورها (تصوير: ميكا مينيو-بالويللو

هكذا أسفرت السياسات الحكومية الفاشلة، المدفوعة فقط بمصالح الرأسمال وتشهيه للربح، عن مأساة مركبة في هذه المدينة، وبان البعد القسري المدمر لها في إدارة مواردها وقرارات غاب عنها أدنى تشاور معتبر وفعال مع السكان من صيادي البحر والبحيرة، والمزارعين، والشباب ومنظمات المجتمع المحلي وهم أصحاب المصلحة الفعليين.

وكما هو الحال في أغلب القضايا التي تخص السياسات التنموية الفاشلة لحكومتنا، نجد مطالب مجتمع إدكو واضحة، وطرحه لحلول ما خلفته السياسات من مشاكل طرح بسيط في تكامله، سواء في صياغته أو منطقه.

بدراية عميقة، حدثنا السكان عن ضرورة تعديل السياسة الزراعية وتقليل استخدام المبيدات والأسمدة الكيماوية، وعن حاجة مدينتهم لمنظومة للضوابط البيئية والقانونية تضبط نشاط المزارع السمكية. كما اقترحوا تحويل مسار عدد من المصارف عن البحيرة، مع تنظيم فعال على مستوى الجمهورية لعملية صرف المخلفات الصناعية والزراعية.

جأروا بشكواهم، وكالعادة مع حكومات تعاقبت على هذا البلد، ولم ترى سوى مصالح ضيقة، فذهب صوتهم سدى ولسان حالهم يقول بحسرة عند أبواب المسئولين: “قد أسمعت إن ناديت حيا، ولا حياة لمن تنادي”؛ فلا يزال المسؤولون على تحيزهم الواضح لمصالح الأغنياء وذوي النفوذ على حساب المجتمع.

رغم هذا الصمم الحكومي، يظل أهل إدكو صامدون في كفاحهم المستمر من أجل وقف التدهور البيئي في مجتمعهم، وكان وقوفهم الرائع في وجه “مشروع الغاز الطبيعي المسال” مثالاً لذلك.

فمحطة تسييل الغاز الطبيعي العملاقة الواقعة على شاطئها تقوم بإدارتها شركتي راشبتكو وبرلس، والتي يشارك فيهما شركات البرتيش جاس البريطانية، بتروناس الماليزية، جاز دو فرانس الفرنسية، بالإضافة للشركات الحكومية المصرية إيجاس والهيئة العامة للبترول. وقامت هذه الشركات بإقامة حواجز ومصدات أمواج تعوق وصول صيادي البحر لمناطق تجمع أسماك، كما قامت بتصريف مخلفاتها السائلة على البحر بمخالفة للقانون أدت لطفو أعداد كبيرة من أم الخلول الميتة على شواطئ إدكو. وقاضت إدكو شركة راشبتكو أمام المحاكم، التي حكمت عام 2006 استناداً لتقرير معد من جهاز شئون البيئة بمخالفة الشركة للقانون بتصريف مخلفات صناعية وصرف صحي على البيئة البحرية. كما يتهم السكان الشركة بالتخلص غير القانوني لمخلفاتها في مزارعهم ومصارفهم.

كل هذا بدون أي عائد حقيقي على مجتمع إدكو. فبالإضافة لمطالبتهم بتحديد مسؤولية الشركات ومحاسبتها على التلوث، فإن المجتمع يطالبها منذ مدة طويلة بتعويضات مشروعة، مشاركة حقيقية في تنمية المجتمع تتعدى الدهان التجميلي لهذه أو تلك المدرسة أو توزيع حفنة من “الشنط والكراتين الرمضانية” سنوياً. وتشمل تلك المطالب فرص تعيين حقيقية وعادلة لشباب إدكو المتعلم، ومرسى بحري صغير لمراكب الصيد، والمشاركة في صيانة البحيرة.

“التنمية المجتمعية بالنسبة لشركات البترول، والتي توقفت منذ الثورة على كل حال، معناها عمل خيري. نجن لا نطلب إعانة، إنما نطالب بحقوقنا المشروعة” – ناشط من إدكو

وحتى يومنا هذا، لم ترى أي من مطالب الأهالي النور، ولا زالوا يلاحقون الملوثين؛ ولذلك، عندما سعت بريتيش بتروليوم لإقامة محطة معاملة غاز طبيعي على شاطئ إدكو، نهض لها المجتمع مدافعا عن بيئته وقام سكان إدكو بالتنظيم والحشد لمعارضة ووقف المشروع: فتم قطع الطرق بالمظاهرات الاحتجاجية، وقام المحتجون بالاعتصام بموقع الإنشاء المُعتَزَم، واحتل آخرون مكتب الشركة لمنع الموظفين من الدخول، ونُظمت العديد من المسيرات الشعبية الرافضة للمشروع. وكان من ثمرة ذلك أن سمع صوت الناس، ونجح بالفعل التنظيم المجتمعي والمقاومة الشعبية في إيقاف المشروع

idku_beach_sign.

“لا يجوز لأي مشروع صناعي التعدي على الموارد الطبيعية” – أحد سكان إدكو

لم تتخل بريتيش بتروليوم بعد عن مشروعها في هذه المنطقة، ولم يتخل السكان عن نضالهم، والمعركة لم تزل مستمرة؛ حاولت الشركة المراوغة، وبدلاً من احترام الرفض الشعبي للمشروع، قامت الشركة بنقله لموقع جديد يبعد بضعة كيلومترات شرقاً على نفس الساحل. لتنتقل المشكلة، ونجد أهالي مطوبس بمحافظة كفر الشيخ يكملون مشوار أقرانهم في إدكو، ويشرعون في نقل تجربة الكفاح ضد خطط بريتيش بتروليوم لإقامة المشروع على شاطئهم.